
سيدي المسؤول... لن أبدأ اليوم بالأرقام ولا بالإحصاءات، بل سأبدأ بمشهد يتكرر كل يوم في بيوت الناس.
العائلة تجلس بانتظار الكهرباء، الأطفال يؤجلون دراستهم، والناس تؤخر أعمالها، وعندما تأتي الكهرباء يركض الجميع لتشغيل الغسالة وشحن الهواتف وتشغيل مضخة المياه... ثم تنقطع قبل أن ينجزوا شيئاً.
سؤالي بسيط...
هل التقنين يُدار ببرنامج واضح... أم أنه أصبح مفاجأة يومية؟
بدايةً، أؤكد أن قطاع الكهرباء يواجه تحديات كبيرة نتيجة نقص مصادر الطاقة وارتفاع تكاليف إنتاج الكهرباء، إضافة إلى الضغط الكبير على الشبكة.
ولهذا تم اعتماد برنامج تقنين يهدف إلى توزيع الطاقة المتوفرة بعدالة بين جميع المناطق.
لكن المشكلة ليست في وجود التقنين...
المشكلة أن المواطن لم يعد يعرف ما هو البرنامج الحقيقي.
قيل لنا إن البرنامج سيكون ساعتين إطفاء مقابل أربع ساعات تغذية.
ثم أصبح الواقع مختلفاً تماماً.
خمس ساعات انقطاع...
وساعتان تغذية بالكاد تكفيان لإنهاء الأعمال الضرورية.
بل أحياناً أقل من ذلك.
فأين ذهب القرار؟
البرنامج وُضع وفق الكميات المتوفرة من الطاقة، لكن قد تطرأ ظروف فنية أو انخفاض في كميات الوقود أو أعطال على الشبكة، مما يفرض تعديلات مؤقتة على ساعات التغذية.
لكن هذه "التعديلات المؤقتة" أصبحت هي الواقع الدائم.
بل إن القرار نفسه قال إنه لن يكون هناك تقنين ليلاً، حتى يتمكن الناس من الراحة.
واليوم...
الليل أصبح يشبه النهار.
تنقطع الكهرباء دون مواعيد ثابتة، وأحياناً تمتد ساعات الانقطاع أربع ساعات أو أكثر.
فكيف يثق المواطن بأي جدول إذا كان الواقع يخالف ما يُعلن؟
نحن لا ننكر وجود تفاوت في بعض المناطق، وهذا يعود إلى ظروف تشغيلية وأعطال طارئة قد تفرض إعادة توزيع الأحمال الكهربائية حفاظاً على استقرار الشبكة.
دعني أسأل بطريقة أخرى...
إذا كان المواطن يدفع فاتورة الكهرباء وفق التعرفة الجديدة التي ارتفعت بشكل ملحوظ...
أليس من حقه أن يحصل على خدمة مستقرة؟
العلاقة الطبيعية بين أي مؤسسة ومشترك تقوم على معادلة واضحة:
كلما دفعت أكثر... حصلت على خدمة أفضل.
أما اليوم فالسعر يرتفع...
والتغذية تتراجع.
فكيف تفسرون ذلك؟
رفع التعرفة لم يكن بهدف زيادة الأعباء على المواطنين، وإنما للمساهمة في تغطية جزء من تكاليف الإنتاج والصيانة، لأن تكلفة إنتاج الكيلوواط أعلى بكثير من سعر بيعه.
أتفهم أن الإنتاج مكلف.
لكن المواطن ينظر إلى النتيجة.
هو لا يقيس تكلفة الإنتاج...
بل يقيس عدد الساعات التي يستطيع فيها تشغيل براد منزله أو دراسة أطفاله أو تشغيل مضخة المياه.
إذا كانت الخدمة لا تتحسن...
فمن الطبيعي أن يسأل:
إلى أين تذهب الزيادة؟
الزيادة تُوجَّه لدعم استمرارية المنظومة الكهربائية، وتأمين الوقود، وصيانة الشبكات، وتقليل الأعطال قدر الإمكان.
لكن حجم الاحتياجات ما يزال أكبر من الإمكانيات المتوفرة.
وهنا تكمن المشكلة.
المواطن لم يعد يطالب بالكهرباء أربعاً وعشرين ساعة.
بل أصبح يطالب بشيء أبسط...
الالتزام بالبرنامج المعلن.
إذا قيل ساعتان قطع وأربع ساعات وصل...
فليكن ذلك.
أما أن يصبح البرنامج مجرد إعلان، والواقع شيء آخر، فهذا يخلق فقداناً للثقة أكثر مما يخلق أزمة كهرباء.
أتفق معك أن الالتزام بالجداول قدر الإمكان يعزز ثقة المواطن، ونعمل باستمرار على تحسين دقة برامج التقنين كلما توفرت كميات إضافية من الطاقة.
وهناك نقطة أخرى.
المواطن أصبح ينظم حياته وفق برنامج الكهرباء.
الطعام...
المياه...
العمل...
النوم...
كلها مرتبطة بساعة التغذية.
وعندما يتغير البرنامج دون سابق إنذار، فإن الضرر لا يكون في الكهرباء فقط...
بل في حياة الناس كلها.
هذا صحيح، ولهذا نسعى إلى تطوير وسائل الإعلان عن أي تغييرات طارئة، وتحسين إدارة الشبكة بما يخفف من هذه الآثار.
في النهاية...
المواطن لا يريد معجزات.
ولا يطالب بما هو خارج الإمكانيات.
هو يريد أمرين فقط:
أن يكون القرار صادقاً... وأن تكون الخدمة مطابقة لما يُعلن.
فالناس تستطيع أن تتأقلم مع الصعوبات...
لكنها لا تستطيع أن تتأقلم مع الغموض.
وأنا أؤكد أن تحسين خدمة الكهرباء يبقى هدفاً أساسياً، وأن أي تقدم في توفر الموارد سينعكس مباشرة على ساعات التغذية.
لكننا بحاجة أيضاً إلى تعاون الجميع في ترشيد الاستهلاك وحماية الشبكة.
ونحن مستعدون للتعاون...
لكن الثقة تبدأ من الالتزام.
فعندما يصبح ما يُعلن هو ما يُنفذ، يشعر المواطن أنه شريك في الحل، لا مجرد متلقٍ للوعود